أسعار الأرز المنخفضة ودور الأساليب الزراعية الحديثة في مواجهة نقص الغذاء نتيجة أزمة المناخ تُعد دليلاً واضحاً على قدرة التدخلات الحكومية والتقنيات الزراعية على إنقاذ الأمن الغذائي؛ فالسر يكمن في زيادة الإنتاجية، أي توفير مزيد من الغذاء بعدد أقل من المزارعين، وهذا هو التحدي الأساسي في عالم يزداد قلقه تجاه أزمات الغذاء القادمة.
عند الحديث عن التطورات التقنية، يخطر في الذهن غالباً الإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي، لكن الثورة الحقيقية التي شهدها القرن الماضي كانت في المجال الزراعي، حيث سجلت الغلال زيادات غير مسبوقة بفضل الابتكارات الزراعية الحديثة. تجسد الأرز نموذجاً بارزاً لذلك، فقد ارتفع متوسط المحصول العالمي من 2.4 طن للهكتار عام 1975 إلى 4.7 طن اليوم تقريباً، مع تحسن مماثل في محاصيل الذرة، فول الصويا، والقمح، وهو ما سمح بإنتاج أكبر حتى في ظل ظروف مناخية أكثر تحدياً، مع إمكانية الحفاظ على هذه المكتسبات وتنميتها.
ارتفاع إنتاجية الذرة كنموذج للزراعة الحديثة والأرز المنخفض السعر
سوق الذرة يعكس أيضاً القدرة المتجددة على زيادة الإنتاج الغذائي؛ فقبل الأربعينيات، تراوحت الغلال بين 20 و30 بوشل للفدان، لكن منذ 1945 والدول تشهد تحسناً مستمراً بمعدل تقريبي بوشل واحد سنوياً في البداية ثم حوالي بوشلين حالياً، ويُتوقع إنتاج قياسي يصل إلى 189 بوشل للفدان هذا العام، ما يعادل حوالي 5 أطنان، أي ضعف ما كان ممكناً قبل خمسة عقود. هذه طفرة الإنتاجية، التي لا نشعر بها في حياتنا اليومية، توفر لنا غذاءً بكمية أكبر، وتخفف من خطر ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانتشار الجوع في مناطق واسعة من العالم.
في المقابل، يواجه استخدام الأساليب الزراعية الحديثة نقداً مستمراً، مع تأييد لعودة إلى طرق الزراعة التقليدية الخالية من الآلات، والأسمدة، والمبيدات الحشرية، والبذور المعدلة وراثياً وحتى الري. إلا أن الاستثمارات الحكومية في الزراعة الحديثة تظهر آثارها بوضوح في محصول الأرز، الذي يمثل ركيزة أمن غذائي لأكثر من نصف سكان العالم، فهو رغم تقلب الأسواق واستجاباتها لأحوال الطقس والتوترات السياسية، مازال يؤمن الغذاء بشكل أفضل بفضل التطورات العلمية والبنية التحتية الزراعية.
التحديات السياسية والاقتصادية وتأثير أزمة المناخ على أسعار الأرز
الأرز يحمل ثقلًا سياسيًا في آسيا؛ فقد شهدت الأسواق ارتفاعات متقلبة، مثل سعر الأرز الأبيض التايلندي الذي بلغ 650 دولاراً للطن مطلع 2024، قفزة بنسبة 60% مقارنة بـ 400 دولار في منتصف 2021. هذه الارتفاعات تذكر بأزمة 2007-2008 حين ارتفعت الأسعار لأكثر من 1000 دولار للطن، وأدت إلى اضطرابات اجتماعية في دول عدة. وبرغم التوقعات القاتمة نتيجة تغير المناخ، تبين أن ظاهرة النينيو الجوية هي العامل الأكبر في تقلبات الأمطار وأسعار الأرز، وليس ارتفاع انبعاثات الكربون كما كان يُرَوَّج. مع عودة الأمطار وتبني الزراعة الحديثة، من المتوقع أن يبلغ محصول الأرز العالمي 541 مليون طن في موسم 2025-2026، أي ضعف محصول 1980-1981، رغم ثبات الرقعة المزروعة، مما يفسر انخفاض الأسعار حالياً.
دور الزراعة الحديثة وأساليب تحسين إنتاج الأرز المنخفض السعر في مواجهة تغيّر المناخ
لتوسيع طفرة الإنتاجية، خاصة في آسيا، لا بد من دعم المزارعين بالتمويل اللازم لشراء المعدات والسماد والمبيدات، وتعزيز أنظمة الري عبر استثمارات عامة، مع تكثيف الأبحاث لتحسين جودة البذور. كذلك، تبني تقنيات التعديل الوراثي ضروري لإنتاج نباتات مقاومة للجفاف والفيضانات بدل حظرها؛ فقد أجرى العلماء الصينيون تجارب ناجحة على أصناف من الأرز المعدل وراثياً تعد بوعد كبير، وينبغي على الدول الأخرى في المنطقة المضي على خطى مماثلة.
لكن التكنولوجيا الزراعية ليست خالية من المخاطر؛ فالاستخدام المفرط للأسمدة يحتاج إلى توعية المزارعين باستخدامها بشكل صحيح، أما بذور النباتات المعدلة وراثياً فهي آمنة وفق تقارير المفوضية الأوروبية ومنظمة الصحة العالمية، التي أكدت عدم وجود آثار صحية ضارة استمرت لعقود. في:
- تقرير المفوضية الأوروبية عام 2010: التقنية الحيوية ليست أخطر من التهجين التقليدي
- تقرير منظمة الصحة العالمية: عدم وجود أضرار صحية من الأغذية المعدلة وراثياً
يوجد تحدٍ أخير مهم؛ فالزيادة في إنتاجية الأرض الزراعية تؤدي إلى تقليل عدد العاملين في الزراعة، وهذا يعد إيجابياً؛ فآسيا وأفريقيا بحاجة إلى زيادة كمية الغذاء وليس إلى زيادة عدد المزارعين. لذلك، يجب على الحكومات إدارة انتقال القوى العاملة من المناطق الريفية إلى الحضر، ومن الفلاحة إلى الصناعة والخدمات؛ فهذا المسار هو الذي قاد أمريكا وأوروبا للثراء خلال المائة عام الماضية.
يُظهر انخفاض أسعار الأرز اليوم بوضوح أن الابتكار العلمي يمكنه مساعدة العالم على التكيف مع تغير المناخ بدون أن يعاني نقصاً غذائياً حاداً، ما يؤكد أن الاستثمار في الزراعة الحديثة هو الطريق الآمن لتحقيق الأمن الغذائي المستدام.